عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
268
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
علىّ تراودنى عن نفسي ، فوعظها فأبت ، فقال : ضعوا لي وضوءا ، فقالت أعلىّ تتعلل ؟ يا جارية ضعي له وضوءا فوق الجوسق مكان لا يستطيع أن يفرّ منه ، قال : اللهمّ إني دعيت إلى معصيتك وإني أختار أن أرمى بنفسي من أعلى الجوسق ولا أرتكب المعصية ، ثم قال : بسم اللّه ، وألقى بنفسه من أعلى الجوسق ، فأهبط اللّه تعالى إليه ملكا من الملائكة ، فأخذ بضبعيه ، فوقع قائما على رجليه ؛ فلما صار في الأرض قال : اللّهم إن شئت رزقتني رزقا تغنيني به عن بيع هذه القفاف ، فأرسل اللّه تعالى إليه جرابا من ذهب ، فأخذ منه حتى ملأ ثوبه ، فلما صار في ثوبه قال : اللهمّ إن كان هذا رزقا رزقتنيه في الدنيا فبارك لي فيه ، وإن كان ينقص مما لي عندك في الأخرى فلا حاجة لي فيه ، قال فنودي إن هذا الذي أعطيناك جزء من خمسة وعشرين جزءا من أجر صبرك على إلقائك نفسك من هذا الجوسق ، فقال : اللهمّ لا حاجة لي فيما ينقصني مما لي عندك في الأخرى ، فرفع ذلك عنه ، وقيل للشيطان لعنه اللّه تعالى : هلا أغويته ؟ يعنى بارتكاب الفاحشة ، فقال كيف أقدر أن أغوى من بذل نفسه للّه عزّ وجلّ رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به آمين . وللّه در القائل : وسائل عنهم ماذا تقدمهم ؟ * فقلت فضل به عن غيرهم بانوا صانوا النفوس عن الفحشاء وابتذلوا * منهنّ في طرف العلياء ما صانوا ( الحكاية الأولى بعد الثلاث مئة عن بعضهم ) حكى أن بعض الأخيار الأمناء استودعه بعض الملوك جوهرة نفيسة ، فوضعها ذلك الأمين في موضع في بيته ، فظفر بها ابن له صغير ، فضربها بحجر ، فانكسرت أربع فلق ، فدخل على ذلك الرجل من الغمّ والخوف من الملك ما لا يطيق ، فعزم على الهرب ، فلقيه شخص فقال له : أراك محزونا ، فذكر له قصته وما أصابه من الضيق والخوف ، فعلمه هذه الأبيات الأربعة : وكم للّه من لطف خفىّ * يدق خفاه عن فهم الذكىّ وكم يسر أتى من بعد عسر * وفرج كربة القلب الشجىّ وكم أمر تساء به صباحا * وتأتيك المسرّة بالعشىّ إذا ضاقت بك الأحوال يوما * فثق بالواحد الفرد العلى